بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس
يخلد الشعب المغربي اليوم ذكرى عيد العرش المجيد بطعم انتصارات متواصلة على كل عوامل الإحباط والإكراهات والعوائق، وبكثير من الأمل في حصد نتائج فارقة في مسار المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي والتنموي الذي انطلق قطاره منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين، وحوَّل المغرب بكل أقاليمه وجهاته إلى أوراش كبرى لإقامة بنيات تحتية ومد الطرقات والسكك الحديدية، ورفع قواعد منشآت حيوية من مطارات وموانئ ومحطات ومركبات رياضية وصحية ودينية وتعليمية وتكوينية وسياحية وإنتاجية بمواصفات عالمية جعلت المغرب في منطقته وفي قارته منارة هدى، ومركز عمران ونهضة وريادة، ونقطة ضوء مشع في محيطه الدولي، ومعبرا آمنا نحو ضفتي المتوسط لتبادل حضاري وبشري وثقافي واقتصادي سلس ومربح، من شأنه أن يشكل مستقبلا نموذجا يحتذى بين القارات في استثمار الجغرافيا المشتركة والتاريخ العريق والتعبئة القصوى للجهود والموارد، من أجل خدمة أهداف الألفية الثالثة للتنمية المستدامة المندرجة ضمن رؤية الأمم المتحدة بحلول عام 2030، التي انخرط فيها المغرب بكل صدق وثقة وعزيمة، وبرعاية ملكية سامية دائمة ومتواصلة، ليحقق من جانبه ومن جهته وإلى غاية اليوم، نسبة مهمة من المكاسب والنتائج التنموية الجيدة في مجالات هذه الأهداف المسطرة، ومنها تحقيق الأمن الغذائي، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتعزيز فرص التعلم للجميع، ودعم المساواة بين الجنسين، وإقامة البنى التحتية، وتوفير الأمن والخدمات والربط بالكهرباء والماء والطاقة وبقنوات الصرف الصحي، وغيرها من الأهداف المتحققة بنسبة عالية، ستكون السنوات المقبلة شاهدا على تسريع وتيرة عملها واستكمال أوراشها، في أفق توافق نهاية 2030 الأممية مع العرض المغربي الكبير وأمام العالم، وفي مناسبة استضافته لكأس العالم، وشاهدا أيضا على العبقرية المغربية في احترام الآجال المحددة والعمل المستمر للوفاء بالالتزامات والاستجابة للانتظارات.
لعل الثقة والموثوقية الدولية التي حظي بها المغرب، وبلا تحفظ، في كل مشاريعه الاستثمارية في السلام والأمن والاستقرار، والبناء والرخاء، هي أهم ركيزة ودعامة لاستقطاب الشراكات الدولية وتفعيل بنودها، في اتجاه احتضانها كروافد ودعامات في مشاريع عملاقة جامعة وشاملة، من مثل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، الذي يعرف اليوم وبحلول هذه السنة تحولا نوعيا في اتجاه تسريع وتيرة تنزيله، بعد استنفاذه وبنجاح كل مراحل التخطيط والدراسة والتمويل، وتحديد المسارات والتنسيق بين دول العبور في غرب إفريقيا، والمستهدفة بهذا الأنبوب كدول مستفيدة من فرص التنمية التي يوفرها، وكذا مشروع ربط دول الساحل الإفريقية الحبيسة بالمحيط الأطلسي، عبر المنفذ البحري المغربي المؤهل، ومن خلال جعل بنياته التحتية واللوجيستيكية في خدمة تنمية هذه الدول ودعم اقتصادها واستقرارها وأمنها في مواجهة الاستثمار الخبيث في الإرهاب والاضطراب والحرمان… فالمبادرات الأطلسية للمغرب بمختلف حلقاتها ومشاريعها سواء الطاقية أو التجارية أو التنموية أو الرياضية أو حتى الثقافية والروحية، بصفة عامة تكشف عن عبقرية ملكية رائدة في الدعم الحقيقي والفعلي والعملي لنهضة إفريقيا ولشعوب القارة، ليس بالشعارات والأماني والخطابة، وإنما باقتراح الحلول الواقعية الممكنة والقابلة للتنفيذ والمربحة للجميع، والموجهة لجلب المصالح ودرء المفاسد، ولهذا كانت محل ترحيب من جميع الدول على اختلاف مواقفها ومشاربها، وكانت محط نظر إيجابي من القوى الدولية المهيمنة على الأسواق، لأنها ليست موجهة ضد أي دولة أو شعب، ولأن الجميع مستفيد منها في دفع ضرر أو حل أزمة أو جلب منفعة وتحقيق مصلحة.
من المنتظر أن تشهد السنة الجارية انخراطا دوليا واسعا في المشاريع والمبادرات المغربية الرائدة، وبداية القطاف لحصاد سنوات من العمل في أوراش متفرقة، وصلت اليوم إلى نقطة الالتقاء والتقاطع التي تعقبها مرحلة الإدماج والاندماج، بعد أن تهيأت لها الأرضيات التشريعية والبنى التحتية المناسبة التي عمل عليها المغرب سنوات طوال، وبعزيمة ملكية منقطعة النظير وتعبئة شعبية قوية، نذكر منها المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي والتنموي، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وإرساء المفهوم الجديد للسلطة، وتعزيز الإنصاف والمصالحة والحريات والحقوق، وإصلاح الحقل الديني، وإرساء النموذج التنموي الجديد، وتخطيط الجهوية الموسعة، ووضع مدونة جديدة للأسرة، وكذا دستور متطور وجديد للمملكة، وإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والاعتراف باللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية… وغيرها من المنجزات التشريعية والقانونية التي كانت محطات تاريخية للأمة المغربية، وصارت اليوم مكتسبات وبنيات مدمجة في الزمن المغربي الجديد، وفي مسيرة شعب وأمة نحو القمة، وتيسر اليوم هذه المنجزات العظيمة مرور المغرب، بسرعة قصوى وبدون أية مفاجأة أو صدفة، إلى نادي الدول المتقدمة والمؤثرة، والتموقع في صفوفها الأولى.
لقد صار المغرب بفضل حكمة قيادته الملكية العريقة والأصيلة والمبادِرة إلى اقتحام العقبات، والتي يلتف شعب وَفيّ ومبدع وخلاق وعظيم وراءها، شريكا دوليا موثوقا تتوفر له كل فرص النجاح في مهمته الوطنية والإنسانية النبيلة من أجل دعم استقرار الدول، وتثبيت الأمن والسلام في العالم، والوقاية من مخاطر الإرهاب والانفصال، ونزعات التطرف والكراهية والعنف التي تهدد العلاقات الدولية. وبفضل تجربة المغرب الناجحة والناجعة في محاربة الإرهاب وطنيا ودوليا ومواجهة الانفصال وطنيا ودوليا كذلك، بخطط استباقية ووقائية وتدخلية وبرصيد من المعلومات وبكثير من الحكمة والقوة الناعمة، وبتضحيات غالية وكبرياء عالية، وبالتعفف عن اللجوء إلى أساليب العنف والترخص في الدماء، وبالمشروعية والشرعية والانخراط في نهج التعاون والتضامن والحوار والتفاوض، والتماس حلول سلمية وواقعية للنزاعات، تمكن المجتمع الدولي من الاقتناع بأهمية التنسيق الأمني والسلمي، والنهج التفاوضي والحواري لكي يربح الجميع معركة مصيرية مشتركة ضد نزعات الشر المدمرة حتى للذين يدعمونها أو يحتضنونها. وفي هذا الإطار والسياق يأتي التجاوب الدولي الإيجابي والقوي، بعد تباطؤ وتراخٍ، مع المقترحات السلمية المغربية لفض نزاعات وردم بؤر توتر طالما شكلت عقبة رئيسية كأداء أمام المنتظم الأممي لحل نزاعات إقليمية مستعصية، وعلى رأسها النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، الذي تقدم فيه المغرب بمبادرة شجاعة ورائدة تتمثل في مقترح الحكم الذاتي لهذا الإقليم تحت السيادة المغربية، وحيث لا مقترح ولا مبادرة تسمو فوقه أو تعلو عليه… ولعل الانخراط الواسع والمتصاعد لمكونات المجتمع الدولي في هذا الحل الواقعي العادل والشامل والدائم والنهائي، أن ينهي خلال العام الجاري نصف قرن من كابوس إقليمي يهدد كل دول الجوار وشعوبها في سيادتها وأمنها واستقرارها، كما يهدد وحدتها الترابية بالتمزيق والانفصال والإرهاب والقطيعة، وإهدار فرص حقيقية للوحدة والتضامن والتنمية والتعاون.
عيد العرش المجيد مناسبة مغربية خالصة لإعلاء قيم الوفاء والصدق في خدمة الوطن والإنسانية، ومستودع لذاكرة رائعة من مشاهد التلاحم والتراحم بين عرش مخلص وشعب وَفيّ، وإعلان محبة ملك تلتقي عنده هيبة الملوك، وحكمة الحكماء وتراث الأجداد وبيعتهم الخالدة، وحضارات مرت من أرض المغرب وتفاعلت داخله، وعبَر نورها إلى العالم، وهو اليوم سيظل أرض اللقاءات والحوارات والضيافات، وجسر العبور الذي يمنح للعالم إطلالة رائعة على إنسانية جديدة مثقلة بعبق التاريخ، ومستشرفة لمستقبل أفضل وآمن لتعايش الجميع.
فهنيئا العيد لملكنا المحبوب جلالة الملك محمد السادس سليل الشرف والنبل والكبرياء، والسخاء والعطاء من أجل شعبه وبلده وأمته، ومن أجل إحلال السلام في العالم، ومن أجل مواصلة رفع التحديات وكسب الرهانات واقتحام العقبات، والإرساء التام لقدم المغرب في سلم التقدم الحضاري والانتصار الأخلاقي على نزعات الكراهية والعدوان.
Layali Maghribia موقع ليالي مغربية جريدة الكترونية مغربية