ولنا رأي: “عمي تبون” وأزمة أدبيات الخطاب السياسي لممثل الدولة

  لطيفة نفيل / دكتورة في التواصل ورئيسة المركز المغربي للدراسات والأبحاث في علوم الإعلام والتنمية

 

يطرح الخطاب الرسمي للدولة الجزائرية في شخص ممثلها الرسمي أكثر من تساؤل في أوساط الأكاديميين من متخصصي التواصل الدبلوماسي ومحللي الخطاب الرسمي للدول. فخطابات الرئيس الجزائري الحالي تشكل منعطفا لا يمكن تصنيفه في أدبيات الخطاب الرئاسي لممثلي الدول والهيئات الرسمية، وذلك بعد أن أخذ خطاب الرئيس الجزائري، أو كما يحلوا لرواد ومتتبعي وسائل التواصل الاجتماعي بتسميته “عمي تبون” منحى جديدا في عالم الخطابات الدبلوماسية، وهو الرئيس الذي استأنس جمهور “الفيسبوك” و”اليوتوب” و”التيكتوك” و”الانستغرام” بخطابه حد اعتباره بـ “النكتة الطريفة” التي تثير موجات ضحك متفاوتة لدى المتتبعين لخطاباته قد تتراوح بين الضحك بسخرية والضحك الهستيري على ما يعتبرونه ابتذالا وخطابا أقرب ما يكون للنكتة وأبعد ما يكون عن الخطابات الرسمية المدققة التي تحتسب فيها الكلمات وتشرح من خلالها المفاهيم والإشارات وتحدد من خلالها الأولويات، بل وتعطى من خلالها الإشارات القوية التي تحدد في أغلب الأحيان مصير الدولة وإستراتيجيتها المستقبلية.

لكن الواضح وضوح الشمس في يوم جميل، أن خطاب “عمي تبون” يسير في واد آخر غير الخطاب الرسمي الممنهج، والذي يحسب له ألف حساب، فبين عثرات وزلات فم، تكمن النكتة وتظهر تفاهة الخطاب بكل تجلياتها إلى أن أصبح الخطاب الجزائري يشكل “أضحوكة تيكتوكية” يعاد صياغتها لتتخللها “des roche ” هزلية تظهر مدى ابتذال الخطاب وبساطة صاحبه حد السذاجة.

الخطاب الرسمي للجارة الشرقية أو كما يحلو لرواد التواصل الاجتماعي بتلقيبهم “الهكاويين” يطرح أمامنا معضلة قوة الخطاب الرسمي للدولة في شخص ممثلها أيا كانت هذه الدولة ضعيفة أم قوية كبيرة أم صغيرة ذات وزن في الأوساط الدولية أم العكس، مبني على أسس علمية تدرس في كبريات المدارس الدبلوماسية والجامعات الدولية، بل وتعد فنا يتطلب مهارات ودقة في التعبير والتواصل، بأتباع التقنيات الخاصة بعلوم الإعلام و”فن الخطاب” ويمكن للشخصية الدبلوماسية تحسين مهاراتها في طرق كتابة وإلقاء الخطابات الرسمية، وتحقيق التواصل باعتمادها أو حتى بالاستعانة بمستشارين متخصصين في تحليل الخطاب وعلوم الإعلام.

فالخطابات الرسمية للدولة ليست مجرد مجموعة كلمات، بل هي وسيلة للتعبير عن أفكار دولة وآرائها بشكل محترف ومؤثر، يسهم في بناء علاقات موثوقة وناجحة، بل ويؤسس لرأي عام يراهن على الإجماع على رأي واحد ألا وهو تأييد الخطاب الرسمي للدولة، باعتباره أداة قوية لتحقيق الأهداف المرجوة، وتحقيق الأهداف الداخلية والخارجية المتوخاة.

لكن رئيس دولة “العالم الآخر” اختار لنفسه منهجية جديدة “هكاوية” لم يسبق لتاريخ الخطاب الرسمي بالعالم أن عرفها، وذلك بعد أن اختار لنفسه اعتماد أسلوب ضعيف وباهت، ويحمل من توابل التفاهة والكذب والتحريض والنميمة والخبث المبطن وحتى تزوير الحقائق التاريخية، ما يكفي ليجعله أضحوكة بين رواد المواقع الذين حولوه من رئيس دولة لأكبر فكاهي يمكن أن يسوق لخطاب مضحك، وبالفعل تفنن “عمي تبون” في خطابه إلى أن أصبح “ماركة” مسجلة لا يمكن قرصنتها أو صناعة نسخ طبق الأصل عنها.

فقفشات “العم تبون” وخرجاته الإعلامية أصبحت مثار جدل إعلامي وسياسي، ومحط سخرية المحللين السياسيين وعموم المتفرجين المعنيين بخطابه وغير المعنيين، فأضحى “العم تبون” بحق رائد أكبر موجة من التهكم على عنترياته وبلطجة خطابه، كيف لا وهو الذي أكد على أنه سيحمل حجرا يضرب به من هم خارج صفه، مستعملا بذلك الألفاظ العامية المنحطة المفتقرة لأبسط أسس ومعايير الخطاب السياسي.

وبذلك يكون رئيس الجارة الشرقية قد كسر روتين الخطاب الدبلوماسي الرسمي للدول، وخلق من نفسه شخصية جديدة في عالم الدبلوماسية الدولية، بتجسيده لشخصية “كارتونية” تعتمد في أسلوبها السياسي عبارات الابتذال وتروج لخطاب التفاهة والسوقية والشعبوية لإلهاء عقول الشعب الجزائري، من خلال خلق أزمات وهمية مبنية على خطاب التجهيل والتفقير الآني والتاريخي للأحداث.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: محتوى خاص